بوغرارة من فراش المرض يروي قصّة جلسة محاكمته الأخيرة و معركة الأمعاء الخاوية التي خاضها وآثارها بعد إطلاق سراحه ومعاناته مع الإهمال ومطالبته بحقّه في العلاج وإرجاع ماله المحجوز


boughrara

توصّلت اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين ببيان من المعتقل الإسلامي السابق زكرياء بوغرارة يتحدث فيه من فراش المرض – الذي أقعده والناتج عن إضرابه الطويل الذي كان يخوضه قبل إطلاق سراحه-  عن ما عاناه ولا زال من الإهمال المقصود ليطالب في الأخير بمعالجته وإرجاع ماله المحجوز وهذا نص البيان :

 

إنّ مع العسر يسرا

من فراش المرض يروي قصة وصوله للمحكمة وأطوارها

و  اللحظات الأخيرة لاطلاق سراحه

 

بعد العسر جاء اليسر لطفا من الله تبارك وتعالى وحل الفرج بعد الشدة وانقشعت ظلمات العتمة بإطلاق سراحي يوم الأربعاء 10 فبراير2016  فيما يعد انفراجا في قضية اعتقالي ومحنة الإضراب الطويل عن الطعام الذي خضته إلى أن فقدت الكثير من مقومات الجسد…

وهكذا صرت أول معتقل إسلامي يخوض إضراب الموت أو الحرية بشكل ضاري وينتهي بخروجه من النفق المظلم..

وأول من يقدم للمحاكمة في نقالة يحملها أربعة تماما كمن يحمل في النعش إلى مثواه الأخير..

( وحملوني على الأكتاف أربعة من الرجال وخلفي من يلاحقني)

لقد هانت كل الشدائد التي يشيب لها الولدان وقد عشتها يوما إثر يوم بكل مرارتها الآسنة وأوجاعها الهائلة ، مع هبوب نسائم الحرية .

مما لا شك فيه أن حالتي الصحية المتدهورة جدا ساهمت بشكل قاطع في هذا الإفراج الذي جاء أشبه ما يكون بالإفراج الصحي …

لقد كان طموحي  أن أنال براءتي الكاملة لا حكما متأخرا أطلق سراحي بمقتضاه لتطوى صفحة من مأساة كاتب  ومعتقل رأي سيق للعتمة بسبب كتاباته .

ما أقسى حالنا وما ألنا  إليه وقد حوكمت لمقالاتي وبعض قصائدي وهذا وصف  عجيب لما نحن فيه

كما جاءت في أبيات لبدوي الجبل قال فيها :

يا لها دولة تعاقب فيها __ كالجناة العقول و الأذهان

أين حريتي فلم يبقى حرا __من جهير النداء إلا الآذان

سُبّة الدهر أن يحاسب فكر___ في هواه وأن يغل لسان

 

ومهما يكن من الآلام فقد كانت المفاجأة الكبرى  في هذا الإفراج أنني بعد رفضي للذهاب للمحاكمة مرتين  ذلك اليوم ، جاء مدير السجن إلى الزنزانة  رفقة الطبيب وظل يحاورني لعدة دقائق وافقت بعدها  على الانتقال للمحكمة.. وفي اللحظة التي كنت أحمل فيها خارج القبو سبّ أحد سجناء الحق العام( الله تبارك وتعالى) ، فامتنعت عن الذهاب للمحكمة ، وبعد تدخلّات من مدير السجن مرة أخرى وإنزال العقاب بمن شتم الله تعالى علانية انتقلوا بي إلى سيارة الإسعاف ، لتنطلق رحلة طويلة من سجن تيفلت إلى سجن سلا 2 ومنه إلى المحكمة حيث تولى عسس السجن مرافقتي طيلة اليوم مع عناصر الشرطة وقد مكثت في القبو التحت أرضي بالمحكمة قرابة الساعتين …

وبعدها حملت في نقالة المرضى في حالة متردية إلى المحكمة مع الواحدة بعد الزوال ، و دامت المحاكمة  أقل من دقيقتين أو ثلاثة دقائق ، لم تترافع النيابة العامة واكتفت المحامية بالتذكير بحقي في التعبير عن الرأي وأن المرافعة هي( حالتي الصحية المؤسفة) ،انتهت  المحاكمة لأمكث قرابة النصف ساعة في انتظار النطق بالحكم الذي لم يكن مفاجئا .. وأطلق سراحي في نفس اليوم بعد رحلة جديدة من المحكمة إلى سجن سلا 2 ومنها إلى سجن تيفّلت .

الغريب أن قرار التخلص من جثة بها بقايا رمق من حياة كان سريعا إذ سرعان ما حملت على الأكتاف إلى بوابة السّجن في حضور المدير والمنسق العام والطبيب وآخرين ، وأمام حالتي المتردّية حملت في سيارة مدنية إلى مدينة تيفلت ومنها إلى الرباط حيث كنت أريد أن أحظى بالعلاج قبل العودة بي إلى مدينة وجدة ، ولكن المفاجأة أنني أصبت بنوبة قلبية سقطت على إثرها مغشيا علي … على مسافة غير بعيدة من صومعة حسّان وفي حالة أشدّ سوءا ، حملت إلى محطة الحافلة لأرحل إلى مدينة وجدة وتتوارى سوءة الجسد المنكّل به بناب القهر بعيدا .

لقد كان يوم معانقة الحرية بطعم المرّ والحنظل وبلون القهر حيث سافرت  في رحلة طويلة وظروف لا إنسانية إلى المنطقة الشرقية التي وصلتها بأعجوبة .

إنّ قرار إطلاق سراحي كان منقوصا إذ لا يعقل أن يفرج عن مريض في حالة متدهورة دون أي علاج ، وهذا التقصير  والإهمال تتحمل المندوبية العامة لإدارة السجون المسؤولية عنه لأنها الجهة التي كانت مخوّلة بتمكيني من حق العلاج… ثم الجهات المعنية قضائية وأمنية لأنها الأقنية التي تمر من خلالها التوصيات بالعلاج أو الإهمال…

ها أنا ذا أعاني من عدم القدرة على الوقوف  والمشي أو حتى الخطو ،  فقدماي لا تتحرّكان نتيجة التصلّب  في القدمين التي أعاني منها من جراء طول المكث في الفراش ، وفي ظل ظروف صعبة وآلام حادة في العمود الفقري والصدر (  سبق أن تقيّأت الدم لمرات عديدة دون أي فحوصات) ومعها  أوجاع في سائر الجسد مما ينذر بتفاقم وضعيتي صحيا  ونفسيا..

إن ترحيل مشكلتي من السجن الصغير إلى السجن الكبير بكل حمولاتها ، ستكون مآلاتها كارثية على صحتي في ظل غياب للعلاج واحتمال اصابتي باعاقة دائمة .

و قد أخبرني المنسّق العام بالسجن المحلي تيفلت قبيل  خروجي أن هناك جهات مسؤولة ستتولى نقلي إلى وجدة والتكفل بعلاجي ولكن تبين أنها وعود عرقوب وكذبات مسيلمة بل تكريس لسياسة الضحك على الدقون .

و ها أنا ذا على شفير الهلاك يرتعد القلم في يدي مع ما راكمته شهور العتمة من أضرار ، وما خلفته من أعباء… إن المخزن يده طوية جدا في الاعتقال لكنها قصيرة جدا في تحمل مسؤوليته عما أسفر عنه هذا الاعتقال معنويا وماديا .

إن الذين اعتقلوني  حماية للأمن بزعمهم أيديهم قصيرة جدا بعد الإفراج

واليكم غيضا من فيض ما مسني من أضرار :

أولا :

سرقة كافة أمتعتي وملابسي وكتبي ومقتنياتي الخاصة من الدار التي كنت أسكن بها قبل أن تقتحم علي فجر يوم الثلاثاء 14 أكتوبر 2014 وأصير بعدها سجينا وتركت باب الدار مفتوحة فتمتّ سرقتها .

ثانيا :

الرعب الذي خلفه الاعتقال وسط الساكنة لعدة أيام والجيران كان مبررا لطردي من السكن… مع ما تخلّل ذلك من أضرار  كقطع الماء والكهرباء .

ثالثا :

مخلفات الاعتقال للمرة الثانية كان مضاعفا إذ من يقبل أن يكتري غرفة أو منزلا لمعتقل سابق في الإرهاب فضلا عن قلة ذات اليد والمرض والعجز .

رابعا :

حجز المبلغ المالي الذي كان بحوزتي وعدم إرجاعه ساعة إطلاق سراحي .

ضاعف هذا التصرف اللامسؤول من معاناتي سواء في تأخر تلقي العلاجات الأولية  لغياب المصاريف أو في تدبير أموري الحياتية .

خامسا :

الأضرار الصحية المتعددة ويكفي الرجوع لملفي الطبي في سجن تيفلت للوقوف على جسامة هذه الأضرار التي لا تحتمل .

و أخيرااا فإني أطالب وزير العدل والحريات بإعطاء تعليماته الفورية والعاجلة أولا لتحمّل مسؤولية علاجي.. و ما ينجم عن إهمالها  من إعاقة .

ثم بإرجاع المحجوزات خاصة المبلغ المالي الخاص بي إذ لا يعقل أن أبقى هكذا عرضة للإهمال  مع غياب العلاج وتكاليفه الباهظة التي ليست بميسوري أو مستطاعي .

رسالة للجمعيات المغربية لحقوق الإنسان للاضطلاع بدورها مع إنسان يواجه القهر عنوة ….

و لن أوجّه هذا النداء لمجلس محمد الصبار وخالد أرحو وعبد الحق دوق .

فقد نفضت يدي من المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي أبان عن لا حيادية منقطعة النظير في قضية اعتقالي وإلى اللحظة التي غادرت فيها السجون .

لكن المعول على الله جل وعلا ثم هؤلاء الأخيار من صالحي المسلمين

للنصرة والمؤازرة .

 

مرة أخرى أقول ما قاله بدوي الجبل ذات يوم :

كل أفق تضيق فيه أسيرا

سعة الأفق أن تكون طليقا

 

ذات يوم قال سعد الله ونوس ( محكومون نحن بالأمل) .

و أقول ( محكومون نحن بالصبر حتى يطلع الفجر)

قبل الرحيل دائما صافرة…..

أيها الواقفون على حافة  المذبحة

أشهروا الأسلحة

سقط الموت وانفرط القلب كالمسبحة

 

المعتقل الإسلامي السابق زكرياء بوغرارة

وبه وجب الإعلام والسلام

المكتب التنفيذي للجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين

22 فبراير 2016

شارك هاذا المقال !

لا توجد تعليقات

أضف تعليق