

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين
أما بعد:
يقول الله تعالى: {فَإِن تَنَـٰزَعۡتُمۡ فِی شَیۡءࣲ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِۚ ذَ ٰلِكَ خَیۡرࣱ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِیلًا}
قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: أَيْ: إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسَنَةِ رَسُولِهِ.
وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَنَازَعَ النَّاس فِيهِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ أَنْ يَرُدَّ التَّنَازُعَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:١٠] فَمَا حَكَمَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ وَشَهِدَا لَهُ بِالصِّحَّةِ فَهُوَ الْحَقُّ، وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ. [تفسير ابن كثير]
ومن هذا المنطلق، وبهذه الموازين، نقيِّم الأحداث والقرارات، ومنها قرار مجلس الأمن 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي اعتمد الاستقلالية تحت السيادة المغربية كـ”الحل الأكثر واقعية” لقضية الصحراء المغربية.
وأي تقييم أو تقويم لهذا القرار، أو موقف مؤيد أو مخالف، يجب أن يبنى على مقتضى الموازنات والسياسة الشرعية.
ومن هنا نستصحب أصولا قررها علماء الاسلام تنص على أن وحدة دار الإسلام، والاجتماع لا الافتراق، والتعاون لا التناحر، من مقاصد الشريعة الكلية الكبرى.
فالواجب إذن استثمار القرار لحل عقدة استحالة رفع الواقع الاستعماري سواء في الصحراء المغربية أو في سبتة ومليلية أو في غيرها من البلدان والجزر التي ترزح تحت نير الاستعمار.
ولعلها تكون بابا لتجاوز الإرث الاستعماري، ومحو ذاكرة العداوات والعصبيات المفتعلة. والارتكاز على المشترك الأعظم التي يشكل الهوية والثقافة والتاريخ والجغرافيا… إننا ننظر من هذه المقدمة الواعدة، إلى آفاق الانعتاق من التبعية، والعمل الجاد المشترك لبناء الاتحاد المغاربي الكبير، على أسس ما تستحقه شعوبه المسلمة، التواقة لشريعة رب العالمين، وسياسة الدنيا بالدين. إننا كمغاربيين نُعتبر الجناح الأيسر المهيض، ولن ينهض العالم الإسلامي، ولن تطهر عقر دار المسلمين إلا أن يتعافى هذا الجناح.
صحيح أن القرار تحفه قرائن الابتزاز، أو فرض إرادة الأقوى. وقد تحدثت كثير من المكونات المجتمعية عن صفقة ” أبراهام” وتداعيات وشروط التطبيع. ولم تخف جهات كثيرة تخوفها من أن يتحول هذا القرار إلى عبء ثقيل على المنطقة برمتها.
وسجلت هذه الجهات تحفظات على هذا الإنجاز الدبلوماسي (قرار 2797) ليس لتقليل أهميته في ملف الصحراء، بل لأنه جاء ضمن سياق (صفقة 2020) يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه ثمنٌ جيوسياسي دُفع عبر التطبيع، مما يثير تساؤلات جدية حول أولويات الدبلوماسية المغربية ومركزية القضية الفلسطينية في السياسة الخارجية، وهو ما يمثل تضحية قِيمية مقابل مكسب وطني استراتيجي.
لكن يبقى الرهان الأكبر على الشق الغيبي، الغائب في دوائر مجلس الأمن، والغائب في كثير من البيانات والتقارير.
قال تعالى: { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين }
لهذا ننظر لهذا الحدث بأعين الشرع والقدر. ونعلم أن المصلحين المخلصين لقضايا الأمة، ستنفتح بين أيديهم فرص التلاقي والتواصي، للعمل الجاد والمثمر، عبر آليات وجسور الحوار، والتناصح والتصالح.
لكن الذي يدعو للقلق والحذر، هو تنوع وتغول اللاعبين الرئيسيين في هذه الأقطار. مع توفر كل الاسباب الداعية لانفلات الوضع في المنطقة لا قدر الله.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد: هل القرار نهائي وحاسم؟
بداهة لا يمكن القول بأن هذا القرار نهائي وحاسم بمعنى أنه ينهي النزاع الإقليمي بشكل كامل وفوري.
هذه القرارات، بالرغم من أهميتها القانونية والسياسية: إلا أنها فقط تشجع على التفاوض: لا تفرض حلاً نهائياً، بل تحدد المعايير وتدعو الأطراف إلى استئناف المفاوضات للوصول إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين. وهي كذلك قرارات قابلة للتعديل أو الاستبدال. يمكن أن تزيد من تعميق المعايير الحالية أو تعديلها بناءً على التطورات الميدانية والسياسية ونتائج عمل المبعوث الشخصي للأمين العام.
لكن مع ذلك فإن القرار 2797 يحمل دلالات قوية تُبرر التفاؤل الكبير، خصوصًا لأحد الأطراف، وتجعل منه نقلة نوعية في مسار الملف، وهي: تثبيت مرجعية الحكم الذاتي بحيث يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر جدوى. غير أنه لا يمكن للقرار الأممي وحده حل النزاع، بل هو إطار عمل. والأمور التي يمكن أن تعيق أو تُفشل التوصل إلى حل نهائي تشمل:
الرفض التام من قبل أحد الأطراف للدخول في مفاوضات مباشرة، أو رفضها للحل على أساس الحكم الذاتي.
انتهاك وقف إطلاق النار أو القيام بأعمال عسكرية أو تصعيدية أحادية الجانب في المنطقة العازلة، مما يُقوّض العملية السياسية ويفرض أجندات جديدة.
ويعد أي استقطاب أو انقسام حاد داخل مجلس الأمن، وخصوصًا بين الدول الأعضاء الدائمة (كاستخدام حق النقض الفيتو)، معيق لإصدار أي قرارات قوية أو تنفيذ الإطار الحالي.
المشاكل الإنسانية: استمرار النقص الحاد في التمويل المخصص للاجئين والمخيمات، واستمرار عدم تسجيلهم، يمكن أن يكون نقطة ضغط أو تصعيد.
بشكل عام، التفاؤل بالقرار يكون في قوته كإطار عمل مرجعي، في حين أن الإفشال يكمن في عدم رغبة أو قدرة الأطراف على التفاعل الإيجابي والعملي مع هذا الإطار للوصول إلى الحل.
هناك دعم أممي وأوروبي لكنه دعم دبلوماسي حذر، فلا يصف القرار “الحاسم” بالمعنى النهائي، بل بـ “التحول النوعي”.
إلا أنه علاوة على ذلك يمثل تراكماً دبلوماسياً نوعياً يُعزز الموقف المغربي. بمعنى آخر القرار ليس حاسماً، ينهي النزاع بضربة واحدة، لكنه مرجعي “يمكن أن يشكل الحل الأكثر جدوى” وهي عبارة دبلوماسية قوية تشير إلى تفوق واقعية هذا المقترح على أي خيار آخر (مثل الاستفتاء الذي تم إهماله فعلياً).
إذن على المستوى الأممي الداعم لقرار مجلس الأمن الواقعية هي المعيار. ونحن نقول أن الفيصل هو النوايا والشروط وحضور أو غياب الطرف الأصيل في المعادلة، إنها شعوب المنطقة متمثلة برجالاتها ونخبها الذين يملكون الأهلية والصلاحية.
فهناك مؤشرات ستعزز التفاؤل من أهمها:
الاستقلالية ومنع التوظيف والاستغلال والابتزاز من القوى الإستعمارية الحديثة.
مردود القرار على مخيمات تندوف.
العودة المكثفة من المخيمات وتوفير فرص العيش بكرامة واستقرار بعد عقود من الانتظار.
التغلب على التحديات الحقوقية والأمنية داخل المخيمات..
تثبيت الهوية، والخروج من نفق الأيديولوجيات البائدة.
ويبقى التحدي العملي المستعصي على التطبيق وفق مراد أهله تنزيل وتفعيل آليات الحكم الذاتي. وحل كل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية وتقوية الجبهة الداخلية، أو على الأقل إيقاف أسباب الانهيار، والعمل على تدارك ما يمكن تداركه.
فالبيئة السياسية اليوم – ظاهرا على الأقل – تبدو قابلة للتهدئة ما يفتح الباب أمام مقاربات أكثر مرونة تجاه الملفات الحقوقية المعلقة، بما في ذلك ما يتعلق بـ “الاعتقال السياسي” و”الاعتقال بموجب قانون الارهاب الجائر”، مما يساهم في إغلاق ملفات الماضي المرتبطة بهذه السياقات.
وإذا طبقنا بتجرد قاعدة قياس الأولى، فهناك ما هو أيسر في باب التسوية من القضايا المتعلقة بالصراع الطويل حول الصحراء المغربية. وهذه إحدى المؤشرات الهامة التي تجعلنا نرجح كفة المردود الإيجابي لهذا القرار الأممي. وأن الدعم الدولي المتزايد للمقترح يعود إلى جديته وواقعيته، وليس كصفقة “مقايضة” مباشرة لقرار مجلس الأمن، تجعل المغرب رهينة شبكة المصالح المتولدة عن هذا الدعم. خاصة وأن المغرب لا زال يتطلع إلى تحويل هذا الاعتراف المنقوص، إلى اعتراف دولي جماعي لا رجعة فيه.
لكن هل يكون موضوعيا من سجل تحفظا على هذا الانجاز؟ باعتبار أنه قد يكون على حساب القضية الفلسطينية التي تعتبر أكثر مركزية!!! الخلاصة: نعم، يمكن أن يكون موضوعياً في تسجيل هذا التحفظ، ولكن يجب عليه أن يبرز أن هذا التحفظ ينبع من إطار قيمي وأخلاقي محدد يضع الأولوية للقضية الفلسطينية على حساب المكاسب الوطنية الضيقة.
فالقضية الفلسطينية هي قضية مركزية للمغرب وللشعوب العربية والإسلامية تاريخياً. أي خطوة سياسية تتضمن تراجعاً في الموقف تجاهها مقابل مكسب وطني تُعتبر من هذا المنظور مساومة غير مقبولة على المبادئ. مع ما يلوح في الأفق من خطر التبعية والربط المباشر بين الدعم الأمريكي لقضية الصحراء والتبعية الدبلوماسية أو “الاحتجاز” للموقف المغربي، مما يجعله خاضعاً للحسابات الجيوسياسية وواشنطن، بشكل أكثر حدة.
نعم الموقف الرسمي يسعى للموازنة، والتمييز بين المسارات. ويربط الوحدة الوطنية، بالحل الشامل للقضية الفلسطينية. وأن إحراز أي تقدم في الجانب الأول ينعكس إيجابا على الجانب الثاني، وهنا معترك العقول والنخب. ومن هنا ينطلق الموقف.
مجلس إدارة
اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين
بتاريخ : 14 جمادى الأولى 1447 الموافق ل 06-11-2025





