بيان استنكاري
صادر عن اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين
تمهيد
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
في وقتٍ لا تزال فيه أرض غزة تئنّ تحت وطأة مجازر الإبادة الجماعية، وتُسطَّر فيه يومياً فصول من أبشع صور القتل والتدمير والتهجير القسري والتجويع الممنهج بحق شعبٍ أعزل رابط في أرضه، وفيما لا تزال المحاكم والمنظمات الحقوقية الدولية توثّق جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ترقى في وصفها القانوني إلى جريمة الإبادة الجماعية، يأتي إعلان حكومة المغرب عن اتفاقها مع الكيان الصهيوني الغاصب، برعاية أمريكية مباشرة، على رفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات الكاملة، وتبادل السفراء، واستئناف الرحلات الجوية المباشرة قبل نهاية العام، فضلاً عن العزم على استكمال اتفاقيات حماية الاستثمارات وتجنّب الازدواج الضريبي بحلول نهاية سنة 2026؛ ليكشف هذا التزامن الصادم عن انفصالٍ خطير بين القرار الرسمي والوجدان الشعبي المغربي المتيقّظ، الرافض جملةً وتفصيلاً لكل أشكال التطبيع مع كيانٍ ثبت تورطه في أبشع الانتهاكات الموصوفة دولياً.
وإذ تتابع اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين هذا المسار بقلقٍ بالغ وإدانةٍ صريحة، فإنها تستحضر أن هذه الخطوة لا تُقرأ بمعزل عن سياقها الدموي والزمني، بل تأتي تتويجاً لمسارٍ تطبيعي متدرّج ابتدأ باتفاقيات وتفاهمات جزئية، ليتحول اليوم إلى تطبيعٍ كاملٍ شاملٍ، في لحظة تاريخية ومصيرية تستوجب من كل غيور على دينه وهويته ووطنه وأمته أن يرفع صوته عالياً استنكاراً ورفضاً، وأن يسجل موقفه أمام التاريخ والأجيال القادمة.
مقدمة
إن اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، بصفتها هيئة حقوقية إسلامية معنية بالدفاع عن الكرامة الإنسانية وصون الحقوق الأساسية للمعتقلين الإسلاميين الذين من أسباب إعتقالهم نصرة قضايا أمتهم، وانطلاقاً من مسؤوليتها الشرعية والأخلاقية في بيان الحق ومناصرة المستضعفين، ترى في هذا التطور الخطير لمسار التطبيع بين الرباط وتل أبيب مؤشراً بالغ الدلالة على تراجعٍ في مواقف رسمية كانت متوقعة للأسف، وذلك في لحظةٍ تتصاعد فيها وتيرة الجرائم الصهيونية إلى حدٍّ غير مسبوق.
وإذ تُصدر اللجنة هذا البيان، فإنها تستند فيه إلى مرجعيتها الشرعية المؤسِّسة، وتستأنس بالمرجعية الحقوقية الدولية القائمة على مواثيق حقوق الإنسان وقواعدها الدولية الحقوقية ، مؤكدةً أن الموقف الذي تعرضه ليس موقفاً عاطفياً عابراً، بل هو موقفٌ مبنيٌّ على أصولٍ شرعية ثابتة، ووقائع حقوقية موثقة، وإجماعٍ شعبي عريض، وتفصّل اللجنة موقفها في النقاط التالية:
أولاً: بطلان مسار التطبيع شرعاً وحقوقياً
من الناحية الشرعية: نؤكد أن كل العهود والاتفاقيات التي تُشرعن اغتصاب الأرض المباركة، وتمنح غطاءً سياسياً أو دبلوماسياً أو اقتصادياً لجرائم الاحتلال، هي اتفاقات باطلة شرعاً من أساسها، لكونها تخالف قطعيات الشريعة الإسلامية في تحريم إقرار الظلم والتمكين لأهله، ولا يجوز شرعاً إضفاء صفة الشرعية على كيانٍ قام أصلاً على اغتصاب أرض الغير وتشريد أهلها وتغيير معالمها الدينية والحضارية، فضلاً عن أن هذه العهود تتنزل منزلة المداهنة المنهي عنها شرعاً في حق أعداء الدين والملة، ولا عبرة بمصلحةٍ مزعومة تُقدَّم على مفسدةٍ محققة يجمع عليها العلماء والمجامع الفقهية المعتبرة.
ومن الناحية الحقوقية والقانونية الدولية: فإن إقامة علاقات دبلوماسية طبيعية، بل والارتقاء بها إلى مستوى السفارات الكاملة، مع جهةٍ تُدان دولياً بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثّقة في تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، يتناقض جوهرياً مع الالتزامات الدولية القاضية بعدم الاعتراف بالأوضاع الناشئة عن الاحتلال غير المشروع، ومع مبدأ عدم مكافأة العدوان الذي تقوم عليه منظومة القانون الدولي المعاصر، كما أن استكمال اتفاقيات حماية الاستثمارات وتجنب الازدواج الضريبي مع كيانٍ محتلٍّ يُشكّل، من الناحية الحقوقية، مساهمةً فعلية في تمكين اقتصاد الاحتلال وترسيخ بنيته الاستيطانية، وهو ما يتعارض مع الالتزامات الأخلاقية والحقوقية التي تقتضيها المسؤولية الدولية تجاه ضحايا الانتهاكات الجسيمة.
وعليه، فإن اللجنة تعتبر أن مسار التطبيع بمجمله، من حيث الأصل والمآل، فاقدٌ لكل مشروعية شرعية أو حقوقية أو أخلاقية، وأن التوقيع عليه أو الترويج له لا يُكسبه صفة الشرعية مهما تعددت مبرراته السياسية أو الاقتصادية.
ثانياً: انحياز الإرادة الشعبية لنداء القدس ورفض اختراقها
إن أرض المغرب الأقصى، التي ارتبطت تاريخياً وعقدياً بالمسجد الأقصى المبارك، وارتوت بوفاء أجدادنا الذين استوطنوا حيّ “باب المغاربة” ووقفوا أوقافهم على خدمة الحرم القدسي على مدى قرون، ستبقى بإذن الله عصيّةً على كل محاولات الاختراق الصهيوني، مهما استُثمرت في ذلك الوسائل الدبلوماسية أو الإعلامية أو الاقتصادية.
فالشعب المغربي المسلم، بعمقه الديني الراسخ وامتداده التاريخي الوثيق بقضية فلسطين والقدس الشريف، ظلّ وسيظل وفياً لهذه القضية المركزية للأمة، رافضاً بكل إرادته الحرة أن تُختزل هويته الجامعة، أو تُستَغل مؤسساته ورموزه الدينية والدبلوماسية لتمرير مشروعٍ يتناقض جذرياً مع وجدانه الجمعي ومقدساته الدينية، وهو ما عبّرت عنه مراراً الحركات الشعبية والنقابية والحقوقية والعلمائية عبر مسيراتٍ ووقفاتٍ حاشدة رفضاً للتطبيع، الأمر الذي يؤكد أن القرار الرسمي في هذا الملف لا يعبّر البتة عن الإرادة الشعبية العامة، بل يصطدم بها اصطداماً مباشراً.
وإن اللجنة، إذ تسجل هذا الانحياز الشعبي الصادق لنداء القدس، تدعو إلى صون هذا الموقف الجماعي من كل محاولات التطويع أو التدجين، وإلى تعزيز الوعي الشعبي بخطورة المرحلة وما تحمله من مخاطر استراتيجية على الهوية والانتماء.
ثالثاً: وحدة مسار التحرر والترابط بين قضايا الأمة وحرية المعتقلين
إننا نؤمن إيماناً راسخاً بأن قضايا الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان منظومة واحدة لا تتجزأ، وأن مناصرة قضايا الأمة الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ترتبط ارتباطاً عضوياً وثيقاً بإرساء العدل في الداخل، وفي مقدمته إنصاف المعتقلين الإسلاميين وضمان حقوقهم في محاكمة عادلة وظروف احتجاز كريمة وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ومن هذا المنطلق، فإن اللجنة ترى أن من يسعى إلى تبرير التطبيع مع محتلٍّ غاصب متورطٍ في جرائم موصوفة، لا يُستغرب منه، من الناحية المنطقية والأخلاقية، التساهل أو التراخي في معالجة ملفات حقوقية داخلية عادلة كملف المعتقلين الإسلاميين، ذلك أن منظومة العدل والإنصاف واحدة لا تتجزأ، ولا يستقيم الدفاع عن كرامة الإنسان في الخارج مع التفريط فيها في الداخل.
وإن اللجنة تجدد التأكيد على أن نصرة القدس وفلسطين، والدفاع عن حرية المعتقلين وكرامتهم، وجهان لعملةٍ واحدة هي عملة العدل والحرية، ولا يمكن الفصل بينهما دون الوقوع في تناقضٍ صارخ يفقد الخطاب الرسمي مصداقيته أمام الرأي العام الوطني والدولي.
رابعاً: المطالبة الفورية بإلغاء اتفاقيات التطبيع وإغلاق مكتب الاتصال
استناداً إلى ما تقدم من أصولٍ شرعية وحقوقية، فإن اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين تطالب بما يلي:
1. الإلغاء الفوري والكامل لجميع اتفاقيات ومذكرات التفاهم المتعلقة بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، بما في ذلك اتفاقيات رفع التمثيل الدبلوماسي وتبادل السفراء.
2. إغلاق مكتب الاتصال الصهيوني بالرباط بشكلٍ نهائي، ووقف كل أشكال التمثيل أو التنسيق الدبلوماسي معه.
3. تجميد ووقف كافة مسارات التفاوض المتعلقة باتفاقيات حماية الاستثمارات وتجنب الازدواج الضريبي المزمع استكمالها بنهاية سنة 2026.
4. وقف كل أشكال التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي مع كيانٍ يرتكب جرائم حرب موثقة دولياً.
وتعتبر اللجنة أن هذه المطالب ليست مجرد مواقف احتجاجية عابرة، بل هي واجبٌ شرعي ووطني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل أو المساومة، في ظل استمرار العدوان وتصاعد جرائم الإبادة الجماعية بحق أهلنا في غزة.
خاتمة
وختاماً، فإن اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين تهيب بكافة العلماء، والدعاة، والحقوقيين، والأكاديميين، وقوى المجتمع المدني الحيّة، وبكل الغيورين على هوية الأمة ومقدساتها، إلى توحيد الجهود ورصّ الصفوف في جبهةٍ وطنية وإسلامية عريضة، تتصدى بكل الوسائل المشروعة لمسار التطبيع، وتفضح جرائم الاحتلال أمام الرأي العام الوطني والدولي، نصرةً للحق، ودفاعاً عن هوية الأمة، وصوناً لمقدساتها، وتضامناً مع كل مظلومٍ ومعتقلٍ يعاني في سبيل كلمة الحق.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
مجلس إدارة
اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين
يتاريخ : 07 ربيع الآخر 1448 الموافق ل 19-09-2026
