مقدمة في حقوق الإنسان بين حفظه في الإسلام و المواثيق الدولية


Chouider Issam

بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه .

أما بعد،

كثير هم الذين يتساءلون عن حقوق الإنسان في الإسلام

وماهي النصوص الشرعية التي تثبت ذلك ؟

والقواعد الشرعية التي قعدها العلماء لحقوق الإنسان ؟

فنقول

إن شريعة الإسلام تجاوزت حفظ حقوق الإنسان إلى ما هو أسمى و أعظم للإنسان، وهو تقرير كرامة الإنسان ، لكل الناس على اختلاف أجناسهم وأعراقهم، وألوانهم ولغاتهم، وأديانهم وبلدانهم، وفضلهم على سائر الخلق، قال الله تعالى في في هذه الآية الجامعة المحكمة: }وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا{الإسراء:70.
قال ابن عاشور رحمه الله في تفسير الآية: “فأما منة التكريم فهي مزية خص بها الله بني آدم من بين سائر المخلوقات الأرضية، والتكريم: جعله كريما، أي: نفيساً غير مبذول ولا ذليل في صورته ولا في حركة مشيه، وفي بشرته، فإن جميع الحيوان لا يعرف النظافة ولا اللباس ولا ترفيه المضجع والمأكل ولا حسن كيفية تناول الطعام والشراب ولا الاستعداد لما ينفعه ودفع ما يضره، ولا شعوره بما في ذاته وعقله من المحاسن فيستزيد منها، والقبائح فيسترها ويدفعها، بله الخلو عن المعارف والصنائع وعن قبول التطور في أساليب حياته وحضارته“.
  و قال الألوسي في تفسير الآية: }وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمأي: جعلناهم قاطبة برهم وفاجرهم ذوي كرم، أي شرف ومحاسن جمة لا يحيط بها نطاق الحصر..“. 

الإسلام سبق المواثيق الدولية في حفظ حقوق الإنسان

جاء في مدخل  البيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام والذي اعتمد من قبل المجلس الإسلامي بتاريخ 21 من ذي القعدة 1401هـ، الموافق 19 أيلول/سبتمبر 1981م

’’ شرع الإسلام – منذ أربعة عشر قرنا – “حقوق الإنسان” في شمول وعمق، وأحاطها بضمانات كافية لحمايتها، وصاغ مجتمعه على أصول ومبادئ تمكن هذه الحقوق وتدعمها.

والإسلام هو خاتم رسالات السماء، التي أوحى بها رب العالمين إلى رسله – عليهم السلام – ليبلغوها للناس، هداية وتوجيها، إلى ما يكفل لهم حياة طيبة كريمة، يسودها الحق والخير والعدل والسلام.’’

إن الإسلام سبق القوانين الوضعية والمواثيق الدولية في حفظ حقوق الإنسان ورعايتها ، على مفهوم الشريعة أساس الحق، وليس الحق أساس الشريعة، وقرر ذلك جلياً قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، والمسلمون يسمعون عن كرامة الإنسان، والتسوية

بين الناس، والعدل والشورى والتكافل والتراحم بينهم، والتعلم بل إن المسلمين منذ ظهور الإسلام، وهم يقرؤون آيات الكتاب العزيز، وأحاديث ترشدهم، إلى هذه المعاني السامية. في وقت كان العالم يغط في سبات عميق، ويخيم عليه الكثير من الجهل والتخلف، والظلم والتعسف، وما الوثائق والصكوك الدولية التي يتباهى بها الغرب حول حقوق الإنسان إلا وليدة هذه العصور الحديثة، وكان أهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي لم يصدر إلا في 10/12/1948م

من الجمعية العامة للأمم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة، تعبيرا عن الرغبة في وحدة البشرية، ووحدة حقوق الإنسان، في المجتمع الدولي، الذي قاسى من ويلات الحرب.

وكان تناسي حقوق الإنسان، أو إهمالها، قد أفضى إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، كما ورد في الميثاق.

ولذلك، دعا في مقدمته إلى توطيد احترام الإنسان وحرياته، والعمل عن طريق التربية والتعليم، واتخاذ إجراءات قومية وعالمية؛ لضمان الاعتراف بحقوق الإنسان، ومراعاتها بصورة فعالة، بين الدول الأعضاء في المنظمة العالمية، وكذلك بين الشعوب الخاضعة لسلطانها.

ويعد هذا الميثاق تتويجا لحضارة الغرب، ولجهود المفكرين والمصلحين في العصر الحديث

 وترجع هذه الجهود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، حينما صدرت الماجنا كارتا سنة 1215م في إنجلترا، التي اكتسب الشعب الإنجليزي بمقتضاها، حقه في تجنب المظالم المالية، التي كانت توقعها به السلطة وقتذاك.

وقد تضمنت وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي سنة 1776م ما يعد من حقوق الإنسان، بتأكيدها على الحق في الحياة والحرية والمساواة.

وأصدرت الثورة الفرنسية وثيقة إعلان حقوق الإنسان في 26 / 8 / 1789م، وهي تعد إعلانا عن هذه الحقوق.

     وهكذا سبقت هذه المواثيق، الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، الذي يعد خطوة هامة وحاسمة، بعد جهود المفكرين والفلاسفة الأوروبيين لعدة قرون، والتي استهدفت حماية الشعوب من المعاناة والآلام، التي كانت ترزأ تحتها من السلطات الإدارية والدينية في أوروبا، خلال عصور الظلام، وبدايات عصر النهضة الأوروبية.

تلك المعاناة التي ترجع إلى استبداد الحكم الإقطاعي ورجال الكنيسة، واندفاع الكنيسة إلى محاربة كل الاتجاهات الفكرية، التي تسعى إلى تحرير عقل الإنسان ونفسه.

وهذه العوامل كلها، لم يكن لها وجود في الإسلام وشرعته  .

فقد كان للإسلام فضل السبق في تقرير هذه الحقوق وتأصيلها وتشريع الأحكام اللازمة لحفظها وحمايتها، وما الحقوق التي تضمنتها المواثيق والصكوك الدولية إلا تأكيد وترديد لبعض ما تضمنته الشريعة الإسلامية.

إن حقوق الإنسان في الإسلام ليست وليدة رد فعل أو اعتراض على أوضاع سيئة، رأى العقلاء ضرورة تقرير هذه الحقوق والمطالبة بتطبيقها كما هو الحال في حقوق الإنسان التي قررها الغرب.

بل إن سبب وجودها هو الإنسان نفسه، وكرامته الإنسانية التي قررها الخالق سبحانه منذ خلق البشر، فمسألة وجودها في الشريعة الإسلامية أمر بدهي، وحفظها هو المقصود من الشريعة الإسلامية بجميع أحكامها وتشريعاتها، بل هو المقصود من كل الشرائع والرسالات السماوية، فهي ليست ردة فعل لانتهاكات قائمة، وليست استجابة لتوجيهات سلطة حاكمة، أو لمطالبة مؤسسة دولية أو محلية، كما أن إيجادها وحمايتها واجب شرعي لا يتوقف على اختيار الإنسان ورغبته في بذلها، ولا ينقص حقه منها إذا جهلها أو ترك المطالبة بها، كما أن الإسلام صاغ مجتمعه على أصول ومبادئ راسخة، تمكن لهذه الحقوق وتدعمها.

إن حقوق الإنسان في الإسلام منح إلهية منحها الله لخلقه، فهي ليست منحة من مخلوق لمخلوق مثله، يمنُّ بها عليه ويسلبها منه متى شاء، بل هي حقوق شرعية وضرورات دينية أوجبها الله على عباده وكفلها لكل واحد منهم، بغض النظر عن لونه أو عرقه أو جنسه أو لغته أو دينه

وقد تكاثرت النصوص الشرعية في التحذير من ظلم الناس وانتهاك حقوقهم، وتعظيم حرمة دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وبيان شؤم ظلمهم وإيذائهم، وبخسهم أشياءهم، والحث الشديد على احترامهم ولين الجانب معهم، ومعاملتهم بالحسنى، ومعاشرتهم بالمعروف، وإنصافهم والعدل بينهم، وحفظ مصالحهم والقيام بحقوقهم، ومشروعية الإحسان إليهم والبر بهم، كما تضمنت أن حسن الخلق أثقل شيء في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة، وأن أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعباده، وأحب الأعمال لديه الإحسان إلى خلقه، بتفريج كرباتهم، وسد خلاتهم، وقضاء حاجاتهم، وإدخال السرور عليهم، والتأكيد على أن أكمل المؤمنين إيمانًا، وأحسنهم إسلامًا، وأرفعهم مقامًا، وأتقاهم لله تعالى، وأحبهم إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقربهم منه مجلسًا يوم القيامة، أحاسنهم أخلاقًا، كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة مشهورة،( بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق” وفي رواية “مكارم الأخلاق”(حديث صحيح)

ومن نظر في النظم الاجتماعية الإسلامية، وكيف حثت على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، وبر الوالدين وصلة الأرحام، وحسن الجوار، وحسن الصحبة، والمعاشرة بين الزوجين بالمعروف، والرحمة بالخلق، والرفق بهم، والتلطف معهم، والحرص على إيصال كل ما أمكن من الخير إليهم، ودفع كل ما أمكن من الشر عنهم، وأن يتآمروا بالمعروف، ويتناهوا عن المنكر، ويتعاونوا على البر والتقوى، ويتناهوا عن الإثم والعدوان، وأن يحب كل واحد منهم لإخوانه ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويأتيهم بمثل الذي يحب أن يأتوا به إليه، يدرك معنى التكريم الإنساني الذي ترنو الشريعة إلى تحقيقه، والذي يسمو في أبعاده عن مجرد حفظ حقوق الإنسان التي تضمنتها المواثيق والعهود الدولية.

أن الشريعة الإسلامية إنما جاءت لحفظ الضروريات الخمس التي اتفقت جميع الرسالات السماوية والعقلاء في كل زمان على وجوب حفظها، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال(قال الشاطبي: “اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. وعلمها عند الأمة كالضروري” الموافقات 1/38.)، ويلتحق بهذه الضروريات كل ما يكملها ويخدمها مما به توسعة على الناس، ورفع للحرج عنهم، وهي ما يسمى بالحاجيات، أو كان به تجميل لهم وتزيين لحياتهم وتهذيب لأخلاقهم، بحيث تكون حياة ناعمة نظيفة كريمة، وهي ما يسمى بالتحسينيات. وهذه المصالح الضرورية وما يلتحق بها من المصالح الحاجية والتحسينية، تمثل مقاصد الشريعة الإسلامية، التي جاءت بكل تكاليفها وأحكامها لتحقيقها وحفظها.
وسميت الضروريات بهذا الاسم، لأنها مضطر إليها في قيام مصالح العباد في المعاش والمعاد، فحاجة العباد إليها بلغت حد الضرورة، فلا يمكن للأمة بعامة ولا لفرد من أفرادها، الاستغناء عنها، في أي وقت من الأوقات، إذ لو تخلفت كلها أو بعضها، لاختل نظام الحياة، وعمت الفوضى، وحل الفساد، وسيطر الخوف، وتهتكت أروقة الأمن والاستقرار، ولَحِق الناس من الشقاء والضرر في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، بقدر ما تخلف منها. قال الإمام الشاطبي: “فأما الضرورية، فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى، فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين”( الموافقات 2/8.
ومن تأمل العهود والصكوك الدولية والاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان، بل وجميع الأنظمة والقوانين التشريعية وجد أنها لا تخرج عن حفظ هذه الضروريات الخمس وما يخدمها ويكملها من الحاجيات والتحسينيات، وهي التي عليها مدار الشريعة بجميع أحكامها وتشريعاتها، بل الملاحظ أن كل هذه النظريات والاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان لا تبلغ مبلغ الشريعة أو تدانيها في التأكيد على هذه الحقوق ووضع التشريعات والأحكام اللازمة لحفظها من جانب إيجادها وإقامتها، وجانب حفظها وحمايتها بعد وجودها، وهو ما يعبر عنه الأصوليون بحفظها من جانب الوجود والعدم، أي: بجلب النفع وتحقيقه، ودفع الضرر وإزالته، فالشريعة حفظتها من جانب الوجود بتشريع ما يوجدها ويقيمها ويكملها ويقويها، وحفظتها من جانب العدم بتشريع ما يكفل بقاءها واستمرارها، ويدرأ عنها ما يفوتها أو يخل بها، ويحميها من أي اعتداء واقع أو متوقع عليها. قال الإمام الشاطبي رحمه الله: “والحفظ لها يكون بأمرين، أحدهما: ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود. والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم”( الموافقات في أصول الشريعة 2/8
وعليه، فإن حفظ هذه الضروريات الخمس ليس مقصوراً كما يظنه بعض الناس على مجرد حمايتها، ودرء الخلل الواقع أو المتوقع فيها، وهو الذي تركز عليه الاتفاقيات والتشريعات البشرية، بل هناك حفظ قبل ذلك، وأهم من ذلك، وهو حفظها من جانب الوجود، وذلك بإيجاد هذه المصالح وإقامتها وتكميلها، وتثبيت قواعدها وأركانها.
وقد نبّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث ذكر أن بعض الناس يخص حفظ هذه المصالح، بحفظها من جانب العدم، أي: في دفع المضار عنها، وليس الأمر كذلك، فإن حفظها يكون “في جلب المنافع وفي دفع المضار، وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة، فهو أحد القسمين” مجموع فتأوى شيخ الإسلام ابن تيمية 11/343.
إذاً فمن ظن أن حفظ الحقوق والمصالح يتحقق بمجرد العقوبات الرادعة، والتدابير الاحترازية التي تحمي هذه الضروريات الخمس، وتصونها من أي اعتداء واقع أو متوقع عليها، فظنه خاطئ، ذلك أنه لابد قبل ذلك من جلب هذه المصالح الضرورية وتحقيقها وإيجادها وتوفيرها لكل الناس، حتى تحفظ حقوق الإنسان على أكمل وجه.
ولأجل هذا شرع الإسلام لكل واحدة من هذه الضروريات الخمس أحكاماً تكفل إيجاده وتكوينه، وأحكاماً تكفل حفظه وصيانته بعد أن يوجد، وبهذين النوعين من الأحكام تحفظ هذه المصالح والحقوق ويتحقق للناس ما يصبون إليه من الأمن والاستقرار.

لهذا تميزت حقوق الإنسان في الإسلام بغاية الوضوح، ولم تترك لمفاهيم عامة مبهمة، وجاءت النصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية محددة للحقوق، ومبينة وسائل حفظها، ومانعة من تجاهلها أو انتهاكها، ومرتبة عقوبات زاجرة لحفظها والمنع من كل اعتداء قد يقع عليها.

إن حقوق الإنسان في الإسلام مصدرها الوحي المعصوم من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أما مصدر حقوق الإنسان في القوانين والمواثيق الدولية فهو الفكر البشري، والبشر يخطئون أكثر مما يصيبون، ويتأثرون بطبيعتهم البشرية بما فيها من ضعف وقصور وعجز عن إدراك الأمور والإحاطة بالأشياء، وقد أحاط الله بكل شيء علماً.
بل وتجدهم فصلوا بعض مواثيق على مقاص الإنسان الغربي تحفظ حقوقه دون غيره , وجاءت كردت فعلا لظروف عاشها هو.

ولهذا فإن حقوق الإنسان في الإسلام حقوق أصيلة أبدية لا تقبل حذفاً ولا تعديلاً ولا نسخاً ولا تعطيلاً، إنها حقوق ملزمة شرعها الخالق سبحانه وتعالى، فليس من حق بشر كائناً من كان أن يعطلها أو يتعدى عليها، ولا تسقط حصانتها الذاتية لا بإرادة الفرد تنازلاً عنها ولا بإرادة المجتمع ممثلاً فيما يقيمه من مؤسسات أياً كانت طبيعتها وكيفما كانت السلطات التي تخولها.

كان للشيخ محمد الغزالي رحمه الله نظرة ثاقبة في بحث هذه القضية ، حيث أكد في إحدى كتاباته على أن الإسلام لم يعالج قضية الحقوق كما عالجها الغرب، فالغرب وضع للناس حقوقا في مواجهة بعضهم ، فتحولت العلاقات الإنسانية إلى تناقض مصلحي، ومن ثم إلى تنافس بل صراع، بينما صاغ الإسلام حقوق الناس في صورة واجبات تقع على عاتق المحيطين بهم، يسائلهم الله تعالى عنها يوم القيامة، فحقوق الزوجة واجبات على الزوج، وحقوق الزوج واجبات على الزوجة، وحقوق الجار واجبات على جاره وهكذا.. ومن ثم تحولت منظومة الحقوق في الحضارة الإسلامية إلى منظومة عطاء وتراحم وتراضٍ لا منظومة تناقض مصلحي وصراع وتنافس وغصب وإكراه.
ومن هنا نجد أن الأساس الإيماني للحقوق في الإسلام كواجبات في الإسلام جعل البشر يتسابقون للوفاء بها، في حين تحولت الحقوق في الغرب إلى أعباء يمكن للفرد أن يتخلص منها متى غابت أعين القانون أو غفل رعاته.

إن مواثيق حقوق الإنسان المعاصرة قد انبثقت من القيم الغربية، وفيها ما يتعارض مع حقوق الإنسان في الإسلام  وفطرته وعقله، وذلك يمثل في الحقيقة إهانة للإنسانية، واعتداء على قيم المجتمع السوي تحت شعارات براقة تحمل مضامين مدمرة.

أما فيما يتعلق بالقيمة القانونية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأمثاله فهو ليس إلا مجرد تصريح صادر عن الأمم المتحدة، لا يملك واضعوه إلزام العالم به، كما أنهم مختلفون في بعض بنوده ومدى مشروعيتها، فضلاً عن كونها حقاً إنسانياً كونيا يجب التزامه وإلزام العالم به، فحقوق الإنسان في المواثيق الدولية عبارة عن توصيات أو أحكام أدبية، أما في الإسلام فحقوق الإنسان عبارة عن فريضة تتمتع ببعد ديني ورقابة ذاتية، وبضمانات ومؤيدات تشريعية وجزائية، وليست مجرد توصيات أو أحكام أدبية، فللسلطة العامة في الإسلام حق الإجبار على تنفيذ هذه الفريضة، خلافاً لمفهوم هذه الحقوق في المواثيق الدولية التي تعتبرها حقاً شخصياً لا يمكن الإجبار عليه إذا تنازل عنه صاحبه.
وبالرجوع إلى مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948م نجده لم يحدد الوسائل والضمانات لمنع أي اعتداء على حقوق الإنسان وبخاصة ما يكون من هذه الوسائل والضمانات على المستوى العالمي.
كما تضمن الإعلان تحذيراً من التحايل على نصوصه أو إساءة تأويلها دون تحديد جزاء للمخالفة، وتضمنت أيضاً تشكيل لجنة لحقوق الإنسان تقوم بدراسة تقارير الدول الأطراف عن إجراءاتها لتأمين الحقوق المقررة، كما تتسلم التبليغات المقدمة من إحدى الدول الأطراف ضد أخرى بشأن أدائها لأحد التزاماتها المقررة بمقتضى الاتفاقية وذلك بشروط معينة.

وبالنظر إلى الحماية الدولية لحقوق الإنسان نجدها ترتكز على أمرين:
1- محاولة الاتفاق على أساس عام معترف به بين الدول جميعاً.
2-  محاولة وضع جزاءات ملزمة تدين الدولة التي تنتهك حقوق الإنسان.
إن كل ما صدر عن الأمم المتحدة والمنظمات والهيئات بخصوص حقوق الإنسان يحمل طابع التوصيات التي يتلاعب بها واضعوها حسبما تمليه عليهم أهواؤهم الشخصية،  ومصالحهم الذاتية والوطنية والإقليمية , ولا أدل على ذلك من تعاملهم مع إجرام الكيان الصهيوني , والحملة الصهيوصليبية على بلاد المسلمين .

ففي الحقيقة تجد التفسير الغربي لحقوق الإنسان ينحصر في الغربي

لإن وثيقة  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة منذ خمسين عاماً تقريباً

في بعض موادها وثيقة متحيزة، استجابت فقط لرغبات وشهوات الإنسان الغربي، وتبنت تفسير لـحقوق الإنسان  الذي ينظر إلى الإنسان باعتباره مخلوقاً نفعياً، مبلغ همه في الدنيا تحقيق أقصى درجات « اللذة والاستمتاع » ! ! وهو منحى ينزل الإنسان منزلة تجعله أكثر قرباً من « الحيوانية » التي أدانها القرآن الكريم ، وفي الوقت نفسه فهي شديدة التناقض في كثير من جوانبها مع الرؤية الإسلامية التي تنظر إلى الإنسان بوصفه مخلوقاً صاحب رسالة، ومكلفاً بإعمار الأرض والدفاع عن الحق والفضيلة؛ فضلاً عن أنها تأسست على مبدأ « النسبية » الذي يرفض الاعتقاد بثبات القيم والأخلاق والعقائد الدينية؛ فما يراه الناس اليوم بأنه « غير أخلاقي » قد ينال غداً اعتراف الجماعة الغربية به على أنه « أخلاقي »، وما كان بالأمس عملاً تدينه التقاليد والأعراف بل والقوانين السائدة قد يتحول بمضي الوقت في العالم الغربي إلى عمل مشروع، وقد يمسي حقاً من « حقوق الإنسان » التي يوفر لها الغرب المشروعية بل الحماية الدولية أيضاً؛ فعلى سبيل المثال كانت ممارسة الجنس قبل الزواج تواجه معارضة شديدة وقوية في الغرب حتى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما كان هناك قوانين تحظر مثل هذه الممارسة مع غير الزوج؛ أما اليوم فقد أصبح الجنس قبل الزواج أمراً شائعاً بموافقة المجتمع والوالدين أيضاً . وفي هذا الإطار فإن أفعال الشذوذ الجنسي بين الذكور كانت تعتبر جريمة في بريطانيا العظمى حتى الستينيات، على الرغم من أن الشذوذ بين الإناث ( السحاق ) لم يكن ممنوعاً قانوناً . أما الآن فقد أصبحت مثل هذه الأفعال بين البالغين والتي تتم برضاهم، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً قانونية في معظم دول الغرب؛ بل باتت غالبية العالم الغربي ترى أن القوانين الصادرة ضد الشذوذ الجنسي ما هي إلا انتهاك لـ « الحقوق الإنسانية » للشواذ من الرجال أو النساء !!

بل إن الكنيسة في عدد من الدول الغربية أباحت « الزواج » المثلي بين الشواذ، وسنت القوانين والتشريعات التي تحفظ « الحقوق » المترتبة على عقد الزواج في النفقه والميراث وتبنِّي الأطفال وغير ذلك .. ! ! ومنذ ثلاثة عقود مضت اتخذ المجتمع الغربي موقفاً مشدداً إزاء عملية إنجاب أطفال من نطفة مجهولة النسب، واستند في ذلك إلى أن هذا المنحى يعد عملاً غير أخلاقي يخلِّف مشكلات اجتماعية ونفسية بالغة القسوة للأطفال الذين يجري إنجابهم على هذا النحو؛ أما الآن فقد بات من « الحقوق الإنسانية » – بل القانونية – للمرأة أن تلجأ إلى إحدى بنوك الحيوانات المنوية المنتشرة هذه الأيام في طول البلاد الغربية وعرضها، وتقوم بعملية تلقيح صناعي تنجب على إثره أطفالاً لا يعرف بالتحديد من هم آباؤهم، والتفسير الغربي لحقوق الإنسان الذي يتبناه الإعلان العالمي المشار إليه فيما تقدم تتسع مظلته لحضانة كل ما يفرزه تصور الإنسان الغربي بنسبية القيم العليا للمجتمع، من تحولات أخلاقية وما شابه؛ وهو على هذا النحو يتعارض تعارضاً جوهرياً مع ما يعتقده الإنسان المسلم بكمال مصدري التشريع الأساسيين وقداستهما : كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

والمتأمل في بديهية حياة الحيوان يكاد ألاَّ يقع على حالة زنى خارج إطار الأسرة الحيوانية، ولم يرصد علماء الحيوان حالات شذوذ بين ذكور الحيوانات أو إناثها، بل ما زالت الحيوانات محافظة على تقاليد الزواج وأنماطه وعلى شكل الأسرة الحيوانية .

يتملك المرء العجب حين تجري هذه المقارنة بين بني آدم الذي كرمه الله وسوَّى خلقه في أحسن تقويم، وأعطاه العقل وأناط به التكليف يتملكه العجب حين يقارن مع بهيمة، ويرى أخيراً أن البهائم تسامت كثيراً على عالم « إنسان العولمة ».

 أما الإسلام فقد اعتمد في حفظ حقوق الإنسان وتفسيره على أمرين أساسين، وهما:
1ـ ربطها بالوازع الديني والتربية الإيمانية من خلال التأكيد على أن هذه الحقوق والمصالح الإنسانية ضرورات دينية وواجبات شرعية، وأنها من الأعمال الصالحة التي يثاب فاعلها امتثالاً لأمر ربه، ويستحق العقاب تاركها أو المفرط فيها والمنتهك لحرمتها.
2
ـ إلزام الناس بها قضاء، وتقرير العقوبات الشرعية البليغة في حق منتهكيها والمفرطين في رعايتها والمحافظة عليها

وأيّاً كانت أسباب ودوافع الاهتمام بحقوق الإنسان وتناولها، وتباين تقسيماتها، فيبقى للطرح الإسلامي رَوْنَقُه ووضوحه وعمقه وأصالته، لا لأنهُ ينطلق في تحليله لحقوق الإنسان من الشريعة الإلهية الربانية فحَسْب ؛ بل لأن التأريخ الذي لا يحابي أحداً يشهد لواقعية الطرح الإسلامي ومصداقية تجرده في مناداته بحقوق الإنسان.

ولا جَرَم أن المجتمع الإنساني اليوم حين نحَّى شريعة الله وهي الإسلام، واستظلّ بظلّ النظم الوضعية ؛ قد فقدَ السند والنظام الذي يحمي تلك الحقوق ويبقيها دون تعرّضٍ للتآكل أو حتى التخلي عنها .

ولا أدلّ على ما نقول من أنّ حقوق الإنسان لم توضع قط موضع التنفيذ في تاريخ الإنسانية إلا حين حَكمَ الإسلام من لَدُن أول حكومة إسلامية في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمرّت منفَّذةً مطبَّقةً مع استمرار هيمنة الحكم الإسلامي .

حكمنا فكان العدلُ منّا سَجِيَّةً      ولما حكمتم سال بالدم أَبْطُحُ

ومهما يكن من أمر، فإن حقوق الإنسان من أبرز الميادين التي احتدم فيها الصراع الفكري بين أهل الإسلام والغرب، وما كان ينبغي لها أن تَصِلَ إلى ما وصلَتْ إليه لولا جهلهم أو تجاهلهم بتراثنا الفقهيّ، أو عدم بلوغهم حقيقة الإسلام تجاه حقوق الإنسان، أو حيلولة القوى المعادية للإسلام بين الرأي العام وبين الطرح الإسلامي للموضوع، أو نكرانهم أنهم استفادوا شيئاً من الحضارة الإسلامية، أو أنهم بنوا مدنيَّتهم على علوم اكتسبوها من أهل الإسلام … إلخ .

وعجباً أن تكون المبادئ التي طالما صَدّرْناها للناس يُعاد تصديرها إلينا على أنها كَشْفٌ إنساني ما عرفناه يوماً ولا عشناه دهراً .

ونحن نملك تراثاً عامر الخزائن بالمبادئ الرفيعة والمُثل العليا، ونخشى أن يجيء يوم يصدّر الغرب إلينا فيه غسل الوجوه والأيدي والأقدام على أنه نظافة إنسانية للأبدان، فإذا قُلْت : ذلك هو الوضوء الذي نعرفه، قال لك المتحذلقون المفتونون : لماذا لا تعترف بتأخرك وتقدّمه ؟ وفقرك وغناه ؟

من المراجع الآتية حرمات لا حقوق لعلي جريشة، حقوق الإنسان في الإسلام لأبي الأعلى المودودي،  وحقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة لمحمد الغزالي، وحقوق الإنسان في الإسلام للدكتور محمد الزحيلي، وحقوق الإنسان في الإسلام للدكتور سليمان الحقيل, و حقوق الإنسان بين الشريعة والقانون لمحمود بن محمد المختار الشنقيطي,و حقوق الإنسان في الإسلام لعبد العزيز بن فوزان الفوزان, وحقوق الإنسان بين الشريعة وإلأعلان العالمي للدكتور علي القاسمي, و حقوق الإنسان في الإسلام لعبد الله بن عبد المحسن بن عبد الرحمن التركي ومقالات ومراجع أخرى…

اقتباس وجمع وترتيب عصام اشويدر فاعل حقوقي وإعلامي

شارك هاذا المقال !

لا توجد تعليقات

أضف تعليق