سعيد منصور.. مسيرة دعوة وثبات في مواجهة الاستهداف والابتلاء


سعيد منصور.. مسيرة دعوة وثبات في مواجهة الاستهداف والابتلاء

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
بقلوب يعتصرها الألم، ونفوس مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقت اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين نبأ وفاة الأخ سعيد منصور رحمه الله تعالى، بعد رحلة طويلة من الدعوة والعمل الإعلامي والابتلاء والسجن والملاحقة امتدت لعقود من الزمن.
وبرحيل الأخ سعيد، تطوى صفحة من صفحات جيل كامل من أبناء الحركة الإسلامية في المهجر، ممن حملوا همَّ الدعوة إلى الله، وخدمة قضايا المسلمين، والدفاع عن هويتهم في بيئات لم تكن يومًا سهلة على العاملين للإسلام والثابتين على مبادئهم.
ولد الفقيد بمدينة الدار البيضاء سنة 1960 تقريبًا، ونشأ بحي بوسجور، قبل أن يهاجر إلى الدنمارك سنة 1984 حيث استقر هناك وحصل لاحقًا على الجنسية الدنماركية مع احتفاظه بجنسيته المغربية.
ومنذ السنوات الأولى لإقامته بأوروبا، انخرط في خدمة الجالية المسلمة من خلال العمل الدعوي والإعلامي، فأسس مطلع التسعينيات مؤسسة “النور للمعلومات الإسلامية” التي أصبحت من أبرز المبادرات الإسلامية العربية في الدول الإسكندنافية، وأسهمت في توفير الكتب الإسلامية والمراجع الشرعية والمواد الثقافية للمسلمين في وقت كانت فيه هذه الموارد نادرة وشحيحة.
وقد عرفه أبناء الجاليات المسلمة ناشرًا وصاحب مشروع إعلامي كرّس جهده لخدمة الإسلام والمسلمين، وربط الأجيال الجديدة بدينها ولغتها وهويتها الحضارية.
غير أن التحولات الدولية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر فتحت مرحلة جديدة من التضييق والاستهداف طالت المؤسسات الإسلامية والناشطين والدعاة في أوروبا. وفي هذا السياق دخل الأخ سعيد منصور دوامة طويلة من الملاحقات القضائية والإجراءات الاستثنائية التي استمرت سنوات عديدة.
وترى اللجنة المشتركة أن ما تعرض له لم يكن معزولًا عن المناخ السياسي والأمني الذي ساد تلك المرحلة، والذي شهد تضييقًا متزايدًا على العمل الإسلامي بمختلف أشكاله الدعوية والثقافية والإعلامية.
فقد تعرض للاعتقال والمحاكمة أكثر من مرة، وصدر في حقه عدد من الأحكام السجنية، قبل أن يُجرد من جنسيته الدنماركية في خطوة غير مسبوقة آنذاك، وأن يُرحل قسرًا إلى المغرب بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها في الدنمارك.
وتعتبر اللجنة أن سحب الجنسية من إنسان عاش عشرات السنين مواطنًا كامل الحقوق والواجبات يمثل إجراءً استثنائيًا بالغ القسوة، ويثير أسئلة عميقة حول العدالة والحقوق الأساسية التي طالما تباهت بها الديمقراطيات الغربية.
وبعد ترحيله إلى المغرب سنة 2019، وجد الفقيد نفسه أمام مسار جديد من المحاكمات والاعتقال، ليستمر مسلسل المعاناة والحرمان سنوات أخرى إلى أن لقي ربه وهو خلف أسوار السجن.
إن اللجنة المشتركة، وهي تستحضر هذه المسيرة الحافلة بالعطاء والابتلاء، تحمل المسؤولية الشرعية و السياسية والحقوقية والأخلاقية لكل الجهات التي أسهمت في صناعة هذا المسار الطويل من الملاحقة والتجريد والترحيل والاعتقال، وما ترتب عنه من آثار إنسانية وصحية جسيمة انتهت برحيل الفقيد بعيدًا عن أهله وأحبته.
كما تؤكد اللجنة أن قضية سعيد منصور ليست قضية فرد معزول، بل تمثل نموذجًا لمعاناة شريحة واسعة من المعتقلين الإسلاميين الذين وجدوا أنفسهم خلال العقود الأخيرة في مواجهة سياسات استثنائية وإجراءات قاسية مست حقوقهم الأساسية وكرامتهم الإنسانية.
لقد رحل سعيد منصور، لكن ذكراه ستبقى حية في نفوس من عرفوه وعملوا معه، وفي ذاكرة كل من تابع قضيته، وسيبقى اسمه شاهدًا على مرحلة كاملة من تاريخ العمل الإسلامي في المهجر، بما حملته من تضحيات وآلام وصمود وثبات.
وإن اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، إذ تتقدم إلى أسرته الكريمة وإخوانه ومحبيه بخالص العزاء وصادق المواساة، فإنها تدعو إلى مواصلة التوثيق الجاد لمسيرته وقضيته، وحفظ ذاكرة المعتقلين الإسلاميين، والعمل من أجل إحقاق الحق وإنصاف المظلومين والدفاع عن الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية لجميع المعتقلين.
نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجعل ما أصابه رفعة له وتكفيرًا لسيئاته، وأن يجمعه بالصالحين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾


 مجلس إدارة

اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين

بتاريخ : 08 محرم 1448 الموافق ل 24-06-2026

 

 

 

شارك هاذا المقال !