بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:
فإننا، في “اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين” نتابع بقلوب يغمرها القلق والترقب ما سيؤول إليه وضع المعتقل الإسلامي حمزة إعنانز المضرب عن الطعام في سجن تولال 2 بمكناس، تحت الحصار والحرمان من الاتصال بوالديه المقيمين في أوروبا. ونتابع بقلق عميق كذلك الانتكاسة الحقوقية التي منيت بها وضعية المعتقل الإسلامي طارق اليحياوي في سجن سلا 2 بعد تعليقه للإضراب عن الطعام.
ونتابع -ومنذ سنوات- التطورات الهيكلية التي شهدها قطاع السجون وإعادة الإدماج، والتي تُوِّجت بتحويله من “إدارة” تابعة لوزارة العدل، إلى “مندوبية عامة” تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي الواسع، وتخضع لإشراف مباشر من أعلى مستويات السلطة التنفيذية.
لقد سُوِّق هذا التحول الإداري على أنه إصلاح نوعي يهدف إلى ترسيخ الحكامة الأمنية وتعزيز برامج الإدماج والتأهيل. إلا أن نظرة متفحصة للملامح الجوهرية التي جاءت بها المندوبية العامة تكشف عن تحول مقلق في طبيعة عمل المؤسسات السجنية، حيث أصبح هذا الاستقلال الإداري والمالي غطاءً لمأسسة النهج الأمني المتشدد، وتكريس آلية إدارية جديدة أفرزت تداعيات خطيرة على ملف حقوق الإنسان داخل أماكن الحرمان من الحرية. وكان اعتماد النموذج الأمريكي في تسيير السجون المغربية، ثالثة الأثافي، وصبغ هذا التحول أجواء الاعتقال بالشؤم واليأس والبؤس، على مستوى ثلاثة أبعاد جوهرية تزيد من انتهاك حقوق النزلاء:
1- تعزيز البعد الأمني على حساب البعد الإصلاحي:
حيث تحولت المندوبية إلى كيان يركز بشكل أكبر على الضبط الأمني، والتحصين، واستخدام القوة، خلافاً للإدارة السابقة التي كانت -نظرياً- أقرب في تبعيتها للمقاربة الوزارية المدنية.
فقد أدى هذا التوجه إلى تزايد حالات العزل الانفرادي التعسفي، وتضييق هامش الزيارات، وإعطاء أولوية مطلقة للمقاربة الأمنية الصارمة على حساب برامج الرعاية الصحية والنفسية والتأهيل، مما يكرس المعاملة القاسية والمهينة للنزلاء.
2- تعزيز حصانة القرار الإداري وبعده عن الرقابة المباشرة:
منح الإدارة الجديدة صفة “المندوبية العامة ذات الاستقلال المالي والإداري” أضعف آليات المحاسبة والرقابة البرلمانية والوزارية المباشرة التي كانت قائمة سابقاً.
هذا الاستقلال الرقابي جعل قرارات المندوبية، خاصة المتعلقة بظروف الاعتقال والنظام الداخلي، أقل عرضة للمساءلة الفورية، ما أفضى إلى صعوبة تتبع الشكاوى المتعلقة بسوء المعاملة والتعذيب الممنهج داخل السجون.
3- عسكرة السجون: فقد شهد هيكل الموظفين تغييراً، مع التركيز على التكوينات ذات الطابع الأمني المتشدد لأطر المندوبية، وهو ما يبتعد عن دور “المربي” أو “المشرف الاجتماعي” الذي يُفترض في نظام القوانين الجنائية الحديثة.
هذا التركيز على الضبط يقلل من الكفاءات الحقوقية والاجتماعية في التعامل مع السجناء، خاصة الفئات الهشة كالأحداث والنساء، ويزيد من احتمالات العنف بدلاً من التدبير الحكيم للأزمات الداخلية، ليصبح الموظف أداة أمنية صارمة بدلاً من أن يكون جسراً لإعادة الإدماج.
وعليه، ندعو الرأي العام والجهات المعنية إلى إدراك أن هذا التحول لم يكن إصلاحاً “إنسانياً”، بل كان مأسسة إدارية لتقييد الحقوق والحريات داخل جدران السجون. ولا أدل على ذلك من هذه النتائج الكارثية على واقع المعتقلين الإسلاميين، حيث تميز هذا التحول بالاحتقان وارتفاع عدد الوفيات ووقائع الانتحار المشبوهة.
تحول حطم الأمل، وحطم معه سبل مقاومة آثار الاعتقال النفسية. حطم الأواصر الأسرية والعائلية، وأجرموا في حق السجين وذويه، فصارت المأساة متعددة الأبعاد، تضرب كل مقومات الحياة في المقاتل.
والمفارقة الغريبة هي: كيف يتم تجنيد كل هذه القوى وتفعيل كل هذه التدابير، في حق أضعف طبقات المجتمع على الإطلاق، خاصة المحكومون ظلماً وجوراً.
كيف يتم إقرار واقع رهيب وإلى ساعتنا هذه، رغم بلوغ صدى هذه الانتهاكات الآفاق؟
نعم ليس غريباً على عالم نكَّس الموازين، وأزاح كل المعايير، وتنكر للمبادئ النبيلة والقيم السامية، ليس غريباً أن نرى في جزئه التابع المقتدي كل مظاهر الظلم والشطط.
لكننا كلجنة مشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين في السجون المغربية، وكل مناصرينا سنبقى صوت المعتقل الذي يئن في صمت. وسنبقى شهود صدق في زمن تزوير الحقائق، وسنبقى دعاة حق وإنصاف، في زمن عز فيه العدل والقسط.
وستبقى وقفاتنا وكلماتنا حجة على كل مدع، وومضات من النور والأمل في سياق بالغ التعقيد والانتكاسة، يتميز بانغلاق آفاق الحل لملف المعتقلين الإسلاميين وتفاقم أوضاعهم الإنسانية والحقوقية المزرية. هذا بعد مرور أكثر من 23 عاماً على فتح هذا الملف، مما يؤكد على التمادي في المقاربة الأمنية والقضائية القائمة على الإقصاء والتمييز الظالم.
وإننا نقف اليوم من أجل التذكير بملف طال أمده، دون حل شامل يُذكر. ربع قرن تقريباً من المعاناة، دون بصيص أمل أو إرادة سياسية في الأفق القريب.
ونقف للكشف عن حقيقة السياسة التعسفية الممنهجة المتبعة بالسجون المغربية، وفضح الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون الإسلاميون. ولنسجل اعتراضنا على ما يسمى بالنموذج الأمريكي لتصنيف السجناء وما ترتب عنه من تداعيات خطيرة بلغت حد إعلان وفيات متكررة في جميع أصناف السجناء بمختلف السجون في ظروف غامضة لم يُفتح على إثرها أي تحقيق. ونقف اليوم تضامناً مع المعتقل الإسلامي حمزة إعنانز المضرب عن الطعام في سجن تولال 2 سيء الذكر. وكذا تضامناً مع المعتقل الإسلامي طارق اليحياوي الذي علق إضرابه عن الطعام بعد مناشدة أطراف عدة، في أفق تسوية وضعه الحقوقي على الأقل، لكن الإدارة المحلية بسجن سلا 2 ضاعفت من معاناته. ونقف مع سائر المعتقلين الإسلاميين الذين يعانون مرارة القيد والحيف والوصم والتمييز وكل مظاهر الانتقام الممنهج. {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}
وحسبنا الله ونعم الوكيل
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
والحمد لله رب العالمين
مجلس إدارة
اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين
بتاريخ : 12 جمادى الآخرة 1445 الموافق ل 03 -12-2025







